حياة نزار قباني وبعض قصائده

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حياة نزار قباني وبعض قصائده

مُساهمة  intifada_hata_alastklal في الأحد يونيو 08, 2008 9:03 pm

يقول نزار قباني عن حياته

"ولدت في دمشق في آذار (مارس) 1923 بيت وسيع، كثير الماء والزهر، من منازل دمشق القديمة، والدي توفيق القباني، تاجر وجيه في حيه، عمل في الحركة الوطنية ووهب حياته وماله لها. تميز أبي بحساسية نادرة وبحبه للشعر ولكل ما هو جميل. ورث الحس الفني المرهف بدوره عن عمه أبي خليل القباني الشاعر والمؤلف والملحن والممثل وباذر أول بذرة في نهضة المسرح المصري.

امتازت طفولتي بحب عجيب للاكتشاف وتفكيك الأشياء وردها إلى أجزائها ومطاردة الأشكال النادرة وتحطيم الجميل من الألعاب بحثا عن المجهول الأجمل. عنيت في بداية حياتي بالرسم. فمن الخامسة إلى الثانية عشرة من عمري كنت أعيش في بحر من الألوان. أرسم على الأرض وعلى الجدران وألطخ كل ما تقع عليه يدي بحثا عن أشكال جديدة. ثم انتقلت بعدها إلى الموسيقى ولكن مشاكل الدراسة الثانوية أبعدتني عن هذه الهواية.

وكان الرسم والموسيقى عاملين مهمين في تهيئتي للمرحلة الثالثة وهي الشعر. في عام 1939، كنت في السادسة عشرة. توضح مصيري كشاعر حين كنت وأنا مبحر إلى إيطاليا في رحلة مدرسية. كتبت أول قصيدة في الحنين إلى بلادي وأذعتها من راديو روما. ثم عدت إلى استكمال دراسة الحقوق وأصدرت

طوق الياسمين

شكراً لطوق الياسمين
وضحكت لي
وظننت أنك تعرفين معنى سوار الياسمين
الياسمين ياتي به رجل اليك

ظننت أنك تدركين
وجلست في ركن ركين تتمشطين
وتنقطين العطر من قارورة وتدندنين
لحناً فرنسي الرنين
لحناً كأيامي حزين

قدماك في الخف المخصب جدولا من الحنين
وقصدت دولاب الملابس تقلعين وترتدين
وطلبت مني أن أختار ماذا تلبسين
أفلي إذن ؟ أفلي تتجملين!!
ووقفت في دوامة الألوان ملتهب الجبين
الأسود المكشوف من كتفيه هل ترتدين
لكنه لون حزين
لون كأيامي حزين

ولبسته وربطت طوق الياسمين
وظننت أنك تعرفين معنى سوار الياسمين
ياتي به رجل اليك ظننت أنك تدركين
هذا المساء في حانة صغرى رأيتك ترقصين
تتكسرين على زنود المعجبين
تتكسرين وتدمدمين
في أذن فارسك الأمين
لحناً فرنسي الرنين
لحناً كأيامي حزين
بدأت أكتشف اليقين

وعرفت أنك لسواي تتجملين
ولهم ترشين العطر وتقلعين وترتدين
ولمحت طوق الياسمين
في الأرض مكتوم الأنين
كالجثة البيضاء تدفعه جموع الراقصين

ويهم فارسك الأمين بأخذه
فتمانعين وتقهقين
لاشي يستدعي انحناءك
ذاك طوق الياسمين





ادب نزار قباني
-في مدخل الحمراءكـان لقاؤنـاما أطيـب اللقيـاء بـلا ميعـاد
عينان سودوان فـي حجريهمـاتتوالـد الأبعـاد مــن أبـعـاد
هـل أنـت إسبانيـة سألتـهـاقالت وفـي غرناطـة ميـلادي
غرناطة وصحت قـرون سبعـةفي تينك العينيـن بعـد رقـادي
وأمـيـة راياتـهـا مرفـوعـةوجيادهـا موصولـة بجـيـادي
ما أغرب التاريخ كيف أعادنـيلحفيـدة سمـراء مـن أحفـادي
وجـه دمشقـي رأيـت خلالـهأجفـان بلقيـس وجيـد سعـاد
ورأيت منزلنا القديـم وحجـرةكانت بهـا أمـي تمـد وسـادي
والياسمينـة رصعـت بنجومهـاوالبركـة الذهبـيـة الإنـشـاد
ودمشق أين تكون قلـت ترينهـافي شعرك المنساب نهر سـواد
في وجهك العربي في الثغر الذيمازال مختزنا شمـوس بـلادي
في طيب جنات العريف ومائهـافي الفل في الريحان في الكبـاد
ومشت والشعـر يلهـث خلفهـاكسنابل تركـت بغيـر حصـاد
يتألق القـرط الطويـل بجيدهـامثـل الشمـوع بليلـة الميـلاد
ومشيت كالطفل خلـف دليلتـيوورائي التاريخ كـوم رمـادي
الزخرفات أكاد أسمـع نبضهـاوالزركشات على السقوف تنادي
قالت هنا الحمراء زهو جدودنـافأنظر على جدرانهـا أمجـادي
أمجادها ومسحت جرحـا نازفـاومسـحـت آخــر بـفـؤادي
ياليت وارثتي الجميلـة أدركـتأن اللذيـن عنتهمـوا أجــدادي
عانقـت فيهـا عندمـا ودعتهـارجلا يسمى طارق ابـن زيـاد


2=عز الـورود.. وطـال فيـك أواموأرقـت وحدي..والأنـام نـيـام
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودواوطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومنعت حتى أن أحوم..ولـم أكـدوتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
قصدوك وامتدحواودونـي اغلقـتأبـواب مدحك..فالحـروف عقـام
أدنـوا فأذكرمـا جنيـت فأنثنـيخجلا..تضيـق بحملـي الأقــدام
أمن الحضيض أريد لمسا للـذرىجـل المقـام.. فـلا يطـال مقـام
وزري يكبلني..ويخرسني الأسـىفيموت في طرف اللسـان.. كـلام
يممت نحوك يـا حبيـب الله فـيشوق..تقـض مضاجعـي الآثـام
أرجوالوصول فليل عمـري غابـةأشـواكـهــا.. الأوزار.. والآلام
يا من ولـدت فأشرقـت بربوعنـانفحـات نورك..وانجلـى الإظـلام
أأعود ظمئآنـا وغيـري يرتـويأيرد عن حـوض النبـي ..هيـام
كيف الدخول إلى رحاب المصطفىوالنفس حيرى والذنـوب جسـام
أو كلمـا حاولـت إلمـامـا بــهأزف البـلاء فيصعـب الإلـمـام
ماذا أقـول وألـف ألـف قصيـدةعصماء قبلـي.. سطـرت أقـلام
مدحوك ما بلغـوا برغـم ولائهـمأسـوار مجـدك فالدنـو لـمـام
ودنوت مذهـولا.. أسيـرا لاأرىحيـران يلجـم شعـري الإحجـام
وتمزقـت نفسـي كطفـل حائـرقد عاقـه عمـن يحـب ..زحـام
حتى وقفـت أمـام قبـرك باكيـافتدفـق الإحسـاس ..والإلـهـام
وتوالت الصور المضيئة كالـرؤىوطـوى الفـؤاد سكينـة وسـلام
يا ملءروحي..وهج حبك في دمـيقبـس يضـيء سريرتي..وزمـام
أنت الحبيب وأنت مـن أروى لنـاحتـى أضـاء قلوبنـا..الإسـلام
حوربت لم تخضع ولم تخشى العدىمن يحمه الرحمـن كيـف يضـام
وملأت هذا الكون نـورا فأختفـتصـور الظلام..وقوضـت أصنـام
الحزن يملأ يـا حبيـب جوارحـيفالمسلمون عن الطريـق تعامـوا
والـذل خيـم فالنفـوس كئيـبـةوعلـى الكبـار تطـاول الأقـزام
الحزن..أصبـح خبزنـا فمساؤنـاشجـن ..وطعـم صباحناأسـقـام
واليـأس ألقـى ظلـه بنفوسـنـافكـأن وجـه النيريـن.. ظــلام
أنى اتجهت ففي العيـون غشـاوةوعلى القلوب مـن الظـلام ركـام
الكـرب أرقنـا وسـهـد ليلـنـامن مهـده الأشـواك كيـف ينـام
يا طيبة الخيـرات ذل المسلمـونولا مجيـر وضيعـت ..أحــلام
يغضون ان سلب الغريب ديارهـموعلى القريب شذى التراب حـرام
باتـوا أسـارى حيرة..وتـمـزقفكأنهـم بـيـن الورى..أغـنـام
ناموا فنام الـذل فـوق جفونهـملاغرو..ضـاع الحـزم والإقـدام
يا هادي الثقلين هـل مـن دعـوةتدعى..بهـا يستيـقـظ الـنـوام




بلقيس





شكراً لكم ..
شكراً لكم ..
فحبيبتي قتلت .. وصار بوسعكم
ان تشربوا كاساً على قبر الشهيده
وقصيدتي اغتيلت وهل من امه في الارض
الا نحن .. نغتال القصيده
بلقيس كانت اجمل الملكات في تاريخ بابل
بلقيس


كانت إذا تمشي ترفقها طواويس
وتتبعها أيائل
بلقيس
يا وجعي ..
يا وجع القصيده حين تلمسها الانامل
هل يا ترى ..
من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل ؟
قتلوك يا بلقيس ..
ايه امه عربية ..
تلك التي تغتال اصوات البلابل ؟
اين السموأل ؟
المهلهل ؟
والغطاريف الاوائل ؟
فقبائل قتلت قبائل ..
وثعالب قتلت ثعالب ..
وعناكب قتلت عناكب ..
قسما بعينيك اللتين اليهما ..
تأوي ملايين الكواكب ..
ساقول يا قمري عن العرب العجائب
فهل البطولة كذبه عربية ؟
ام مثلنا التاريخ كاذب ؟


بلقيس
لا تتغيبي عني
فإن الشمس بعدك
لا تضيئ على السواحل ..
ساقول في التحقيق :
ان اللص اصبح يرتدي ثوب
المقاتل
واقول في التحقيق :
ان القائد الموهوب اصبح
كالمقاول ..
واقول
ان حكاية الاشعاع
اسخف نكتة قيلت ..
فنحن قبيله بين القبائل
هذا هوا التاريخ يا بلقيس
كيف يفرق الانسان ..
مابين الحدائق والمزابل
بلقيس ايتها الشهيدة .. والقصيدة ..
والمطهرة .. النقية ..
سبأ تفتش عن مليكتها
فردي للجماهير التحيه ..
يا اعظم الملكات ..
يا امراة تجسد كل امجاد العصور
السومريه


بلقيس
يا عصفورتي الاحلى ..
ويا ايقونتي الاغلى ..
ويا دمعا تناثر فوق خد المجدلية
اترى ظلمتك ان نقلتك
ذات يوم .. من ضفاف الاعظمية
بيروت تقتل كل يوم ولدا امنا ..
وتبحث كل يوم عن ضحيه
والموت .. في فنجان قهوتنا ..
وفي مفتاح شقتنا ..
وفي ازهار شرفتنا ..
وفي ورق الجرائد ..
والحروف الابجديه ..
ها نحن .. يا بلقيس
ندخل مرة اخرى العصور الجاهليه ..
ها نحن ندخل في التوحش
والتخلف .. والبشاعه .. والوضاعه
ندخل مرة اخرى .. عصور البربريه
حيث الكتابه رحلة
بين الشظية .. والشظية ؟
فهي اهم ما كتبوه في كتب الغرام
كانت مزيجا رائعا
بين القطيفه والرخام
كان البنفسج بين عينيها
ينام ولا ينام ..
بلقيس يا عطرا بذاكرتي
ويا قبر يسافر في الغمام
قتلوك في بيروت مثل اي غزالة
من بعد ما قتلوا الكلام
بلقيس
ليس هذه مرثية
لكن ..
على العرب السلام
لكن ..
على العرب السلام
لكن..
على العرب السلام
بلقيس
مشتاقون .. مشتاقون .. مشتاقون
والبيت الصغير
يسائل عن اميرته المعطرة الزيول
نصغي الى الاخبار .. والاخبار غامضه
ولا تروي فضول ..



بلقيس
مذبحون حتى العظم
والاولاد لا يدرون
ما يجري ..
ولا ادري انا ..
ماذا اقول ؟
ولا ادري انا ..
ماذا اقول ؟
بلقيس
يا بلقيس
يا بلقيس
كل غمامه تبكي عليك ..
فمن ترى يبكي عليا
بلقيس .. كيف رحلتي صامته
ولم تضعي يديك
على يديا ؟
بلقيس
كيف تركتنا في الريح
نرجف مثل اوراق الاشجار ؟
وتركتنا نحن الثلاثه .. ضائعين
كريشه تحت الامطار ..
اتراك مافكرت بي ؟
اتراك مافكرت بي ؟
وانا الذي
يحتاج حبك ..
مثل ( زينب )
او ( عمر )
بلقيس
ان هم فجروك .. فعندنا
كل الجنائز تبتدي في كربلاء ..
وتنتهي في كربلاء ..
البحر في بيروت
بعد رحيل عينيك استقال ..
والشعر .. يسأل عن قصيدته
التى لم تكتمل كلماتها ..
ولا احد .. يجيب على السؤال
اخذوك ايتها الحبيبه من يدي ..
اخذوا القصيده من فمي ..
اخذوا الكتابه .. والقراءة ..
والطفولة .. والاماني
اني لا اعرف جيدا ..
ان الذين تورطوا في القتل
كان مرادهم ان يقتلوا كلماتي !!!
نامي بحفظ الله
ايتها الجميلة
فالشعر بعدك مستحيل
والانوثه مستحيله .



-دارنا الدمشقية
لا بدَّ من العودة مرةً أخرى إلى الحديث عن دار (مئذنة الشحم) لأنها المفتاح إلى شعري, و المدخل الصحيح إليه.

و بغير الحديث عن هذه الدار تبقى الصورة غير مكتملة, و منتزعة من إطارها.

هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة.

إنني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ,و لكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر ..و إنما أظلم دارنا.

و الذين سكنوا دمشق, و تغلغلوا في حاراتها و زواريبها الضيقة, يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون...

بوّابة صغيرة من الخشب تنفتح. و يبدأ الإسراء على الأخضر, و الأحمر, و الليلكيّ, و تبدء سمفونية الضوء و الظّل و الرخام.

شجرة النارنج تحتضن ثمارها, و الدالية حامل, و الياسمينة ولدت ألف قمر أبيض و علقتهم على قضبان النوافذ..و أسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا..

أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء.. و تنفخه.. و تستمر اللعبة المائية ليلاً و نهاراً..لا النوافير تتعب.. و لا ماء دمشق ينتهي..

الورد البلديّ سجَّاد أحمر ممدود تحت أقدامك.. و اللَّيلكَة تمشط شعرها البنفسجي, و الشِمشير, و الخبَّيزة, و الشاب الظريف,و المنثور, و الريحان, و الأضاليا.. و ألوف النباتات الدمشقية التي أتذكَّر ألوانها و لا أتذكر أسمائها.. لا تزال تتسلق على أصابعي كلَّما أرت أن أكتب..

القطط الشامِّية النظيفة الممتلئة صحةً و نضارة تصعد إلى مملكة الشمس لتمارس غزلها و رومانتيكيتها بحريّة مطلقة, و حين تعود بعد هجر الحبيب و معها قطيع من صغارها ستجد من يستقبلها و يُطعمها و يكفكف دموعها..

الأدراج الرخاميّة تصعد.. و تصعد..على كيفها..و الحمائم تهاجر و ترجع على كيفها.. لا أحد يسألها ماذا تفعل؟ و السمكُ الأحمر يسبح على كيفه.. و لا أحد يسأله إلى أين؟

و عشرون صحيفة فثلّ في صحن الدار هي كل ثروة أمي.

كلُّ زّر فّلٍ عندها يسلوي صبيّاً من أولادها.. لذاك كلما غافلناها و سرقنا ولداً من أولادها..بكتْ..و شكتنا إلى الله..

***

ضمن نطاق هذا الحزام الأخضر.. و لدتُ, و حبونُ, و نطقتُ كلماتي الأولى.

كان إصطدامي بالجمال قدراً يومياً. كنتُ إذا تعثّرتُ أتعثّر بجناح حمامة.. و إذا سقطتُ أسقط على حضن وردة..

هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ على كل مشاعري و أفقدني شهِّية الخروج إلى الزقاق.. كما يفعل الصبيات في كل الحارات.. و من هنا نشأ عندي هذا الحسُّ (البيتوتّي) الذي رافقني في كلّ مراحل حياتي.

إنني أشعر حتى اليوم بنوع من الإكتفاء الذاتي, يجعل التسَّكع على أرصفة الشوارع, و اصطياد الذباب في المقاهي المكتظة بالرجال, عملاً ترفضه طبيعتي.

و إذا كان نصف أدباء العالم قد تخرج من أكادمية المقاهي, فإنني لم أكن من متخرّجيها.

لقد كنت أؤمن أن العمل الأدبي عمل من أعمال العبادة, له طقوسه و مراسمه و طهارته, و كان من الصعب عليَّ أن أفهم كيف يمكن أن يخرج الأدب الجادّ من نرابيش النراجيل, و طقطقة أحجار النرد..

***

طفولتي قضيتها تحت (مظلّة الفيْ و الرطوبة) التي هي بيتنا العتيق في (مئذنة الشحم).

كان هذا البيت هو نهاية حدود العالم عندي, كان الصديق, و الواحة, و المشتى, و المصيف..

أستطيع الآن, أن أغمض عيني و أعد مسامير أبوابه, و أستعيد آيات القرآن المحفورة على خشب قاعاته.

أستطيع الآن أن أعدّ بلاطاته واحدةً..واحدة.. و أسماك بركته واحدةً..واحدة.. و سلالمه الرخاميّة درجةً..درجة..

أستطيع أن أغمض عيني, و أستعيد, بعد ثلا ثيين سنة مجلسَ أبي في صحن الدار, و أمامه فنجان قهوته, و منقله, و علبة تبغه, و جريدته.. و على صفحات الجريدة تساقط كلّ خمس دقائق زهرة ياسمين بيضاء.. كأنها رسالة حبّ قادمة من السماء..

على السجادة الفارسيّة الممدودة على بلاط الدار ذاكرتُ دروسي, و كتبتُ فروضي, و حفظتُ قصائد عمر بن كلثوم, و زهير, و النابغة الذبياني, و طرفة بن العبد..

هذا البيت-المظّلة ترك بصماته واضحة على شعري. تماماً كما تركت غرناطة و قرطبة و إشبيليا بصماتها على الشعر الأندلسي.

القصيدة العربية عندما وصلت إلى إسبانيا كانت مغطّاةً بقشرة كثيفة من الغبار الصحراوي.. و حين دخلتْ منطقة الماء و البرودة في جبال (سييرا نيفادا) و شواطئ نهر الوادي الكبير..

و تغلغلت في بساتين الزيتون و كروم العنب في سهول قرطبة, خلعت ملابسها و ألقت نفسها في الماء.. و من هذا الإصطدام التاريخي بين الظمأ و الريّ..وُلِدَ الشعر الأندلسيّ..

هذا هو تفسيري الوحيد لهذا الإنقلاب الجذريّ في القصيدة العربية حين سافرتْ إلى إسبانيا في القرن السابع.

إنها بكل بساطة دخلتْ إلى قاعة مكيّفة الهواء..

و الموشحات الأندلسية ليست سوى (قصائد مكيفة الهواء)..

و كما حدث للقصيدة العربية في إسبانيا حدث لي, امتلأت طفولتي رطوبة, و امتلأت دفاتري رطوبة, و امتلأت أبجديتي رطوبة..

هذه اللغة الشاميّة التي تتغلغل في مفاصل كلماتي, تعلَّمتها في البيت-المظّلة الذي حدثتكم عنه..

و لقد سافرت كثيراً بعد ذلك, و ابتعدت عن دمشق موظفاً في السلك الديبلوماسي نحو عشرين عاماً و تعلمت لغاتً كثيرة أخرى, إلاَّ أن أبجديتي الدمشقية ظلت متمسكة بأصابعي و حنجرتي, و ثيابي. و ظللتُ ذلك الطفل الذي يحمل في حقيبته كلَّ ما في أحواض دمشق, من نعناعٍ, و فلّ, و ورد بلدي..

إلى كل فنادق العالم التي دخلتُها..حملتُ معي دمشق, و نمت معها على سريرٍ واحد



-أسرتي و طفولتي
في التشكيل العائلي, كنت الولد الثاني بين أربعة صبيان و بنت, هم المعتز و رشيد و صباح و هيفاء.

أسرتنا من الأسر الدمشقية المتوسطة الحال. لم يكن أبي غنياً و لم يجمع ثروة, كل مدخول معمل الحلويات الذي كان يملكه, كان ينفق على إعاشتنا, و تعليمنا, و تمويل حركة المقاومة الشعبية ضدّ الفرنسيين.

و إذا أردت تصنيف أبي أصنفه دون تردد بين الكادحين, لأنه أنفقخمسين عاماً من عمره, يستنشق روائح الفحم الحجري, و يتوسد أكياس السكَّر, و ألواح خشب السحاحير..

و كان يعود إلينا من معمله في زقاق (معاوية) كلَّ مساء, تحت المزاريب الشتائية كأنه سفينة مثقوبة..

و إني لأتذّكر وجه أبي المطلي بهباب الفحم, و ثيابه الملطخة بالبقع و الحروق, كلّما قرأت كلامَ من يتّهمونني بالبرجوازية و الأنتماء إلى الطبقة المرفهة, و السلالات ذات الدم الأزرق..

أي طبقة.. و أي دم أزرق.. هذا الذي يتحدثون عنه؟

إن دمي ليس ملكياً, و لا شاهانياً, و إنما هو دم عادي كدم آلاف الأسر الدمشقة الطيبة التي كانت تكسب رزقها بالشرف و الإستقامة و الخوف من اللّه..

وراثياً, في حديقة الأسرة شجرة كبيرة..كبيرة..إسمها أبو خليل القباني. إنه عمّ والدتي و شقيق جدّ والدي..

قليلون منكم_ربّما_ من يعرفون هذا الرجل.

قليلون من يعرفون أنه هزّ مملكة, و هزَّ باب (الباب العالي) و هزَّ مفاصل الدولة العثمانيَّة, في أواخر القرن التاسع عشر.

أعجوية كان هذا الرجل. تصوَّرووا إنساناً أراد أن يحول خانات دمشق التي كانت تزرب فيها الدواب إلى مسارح..و يجعل من دمشق المحافظة, التقيّة, الورعة..(برودواي) ثانية..

خطيرة كانت أفكار أبي خليل.و أخطر ما فيها أنه نفَّذها.. و صُلب من أجلها..

أبو خلبل القبّاني كان إنسكلوبيديا بمئة مجلد و مجلد.. يؤلف الروايات, و يخرجها, و يكتب السيناريو, و يضع الحوار الحوار, و يصمم الأزياء, و يغني و يمثل, و يرقص, و يلحّن كلام المسرحيات, و يكتب الشعر بالعربية و الفارسيّة.

و حين كانت دمشق لا تعرف من الفن المسرحيّ غير خيمة (قره كوز) و لا تعرف من الأبطال, غير أبي زيد الهلالي, و عنترة, و الزير..كان أبو خليل يترجم لها راسّين عن الفرنسية..

و في غياب العنصر النسائي, اضطر الشيخ إلى إلباس الصبية ملابس النساء, و إسناد الأدوار النسائية إليهم, تماماً مثلما فعل شكسبير في العصر الفيكتوري.

و طار صواب دمشق, و أصيب مشايخها, و رجال الدين فيها بإنهيار عصبيّ, فقاموا بكل ما يملكون من وسائل, و سلّطوا الرعاع عليه ليشتموه في غدوه و رواحه, و هجوه بأقذر الشعر, و لكنه ظل صامداً, و ظلّت مسرحياته تعرض في خانات دمشق, و يقبل عليها الجمهور الباحث عن الفن النظيف.

و حين يئس رجال الدين الدمشقيون من تحطيم أبي خليل, ألفوا وفداً ذهب إلى الأستانة و قابل الباب العالي, و أخبره أنَّ أبا خليل القباني يشكل خطراً على مكارم الأخلاق, و الدين, و الدولة العليّة, و أنه إذا لم يُغْلَق مسرحه, فسوف تطير دمشق من يد آل عثمان..و تسقط الخلافة.

طبعاً خافت الخلافة على نفسها, و صدر فرمان سلطاني بإغلاق أول مسرح طليعي عرفه الشرق و غادر أبو خليل منزله الدمشقي إلى مصر, و ودّعته دمشق كما تودّع كلُّ المدن المتجرة موهوبيها, أي بالحجارة, و البندورة, و البيض الفاسد..




المرجز من الاعضاء الكرام تتمت هدا العمل المتواضع ووضع بقية حياة نزار وقصايده بهدا القسم من اجل جمعها في موضوع واحد وشكرا لكم

intifada_hata_alastklal

المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 03/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى